السيد كمال الحيدري

163

كليات فقه المكاسب المحرمة

نعم بقي أن ننبّه إلى شيء آخر وهو أنّ تحقّق الموضوع لا تتكفّل به القضية - كما هو واضح - وإنّما يكون من الخارج ، فمصاديق أكل المال بالباطل منها ما هو عرفي ومنها ما هو شرعي ، وكذا الحال في تحقّق مصاديق التجارة عن تراضٍ فمنه ما هو عرفي ومنه ما هو شرعي . الآن وقبل بيان إمكانية الاستدلال بالآية على حرمة التكسّب بالأعيان النجسة لا بأس بذكر فائدتين أو نكتتين أفادتهما الآية الكريمة ، أو على الأقل يمكن أن تكون قد أشارت إليهما . الفائدة الأولى : أنّ الآية هل اقتصرت على النهي عن أكل مال الغير بالباطل أم أنها تشمل أكل الإنسان لماله بالباطل أيضاً ؟ فالآية تقول : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ والإسراف - مثلًا - هو أكل للمال بالباطل والتبذير كذلك ، فهل يكون هذا المعنى مشمولًا لمفاد الآية الكريمة ؟ هنا ذكر جملة من الأعلام والمفسّرين من الفريقين بأنّ الآية الكريمة شاملة للأمرين معاً أي حرمة أكل مال الغير ومال النفس بالباطل ، ومن الذين ذهبوا إلى ذلك الفخر الرازي « 1 » . فإن قيل : بأنّ هذا يتعارض مع سلطنة الإنسان أو المالك على ماله . قلنا - كما تقدّم ذكر ذلك - : إنّ المال لا يمثّل امتيازاً فقط وإنّما هو امتياز ومسؤولية ، ومعنى المسؤولية هو الالتزام بما شرّعه الله تعالى في حدود المال ، وهذا قريب من علاقة الإنسان بنفسه وبدنه فإن نفسه له تكويناً ولكنّ هذا لا يعطيه الإذن في أن يؤذيها في كثير أو قليل .

--> ( 1 ) انظر : التفسير الكبير : ج 1 ، ص 57 .